المشاركات

ٱخر مقال

شمس الدين العجيمي: حين يبتلع التاريخ قصة زعيم...

يظل التاريخ الوطني التونسي حافلاً بشخصياتٍ كان لها تأثير كبير على المشهد السياسي والفكري، ولكنها لم تحظَ بذات القدر من الأضواء والبحث الأكاديمي. ضمن هذه الزاويا المعتمة، يبرز اسم شمس الدين العجيمي (1907-1949)، مؤسس حركة "الاتحاد والترقي" التونسية، الذي طالما ارتبط اسمه باتهامات بالعمالة أو التواطؤ مع الاستعمار، والذي انتهت حياته في صيف عام 1949 بظروف غامضة لا تزال تثير التساؤلات. بيد أن دراسة معمقة لأرشيفاته ومقالاته المنشورة تكشف عن "وطنية مختلفة"، رؤية إصلاحية مغايرة، ومسارٍ نضاليٍّ لا يتوافق بالضرورة مع السرديات التقليدية للحزبين الدستوريين القديم والجديد. هذا المقال يسعى إلى كشف النقاب عن هذه الشخصية الغامضة، من خلال استعراض نشأته، مساره النضالي، علاقاته الطبقية، وصولاً إلى محاولة اغتياله التي تكشف أبعاد الصراع الزعامي الخفي في تونس ما قبل الاستقلال، وموته الذي لا يزال لغزاً. 1 . شمس الدين العجيمي: نشأة وتكوين النخبة البرجوازية المثقفة للكشف عن جوانب هذه الشخصية المعقدة، نعتمد بشكل أساسي على ما قدمه "روجيه كاسماجور" في كتابه الفريد "العمل الوطني ف...

صلاح الدين التلاتلي: ومضةٌ في ظلام النسيان...

صورة
في ركن "شخصيات منسية"، نُلقي الضوء اليوم على اسمٍ قد يتردد صداه خافتًا في أروقة التاريخ الوطني التونسي الحديث، لكنه يحمل في طياته قصة كفاءةٍ نادرة، ومبدئيةٍ صلبة، وصراعٍ مع تياراتٍ أبت إلا أن تطمس بريق العقول المستنيرة. نتحدث عن صلاح الدين التلاتلي (2 جانفي 1916 - 2 جانفي 2009)، أحد أبرز رجال الفكر والتربية والنضال الوطني في تونس المعاصرة، الذي، رغم بروزه كمثقف لامع ونقابي نشط، وجد نفسه على هامش السرديات الرسمية، ليظل لغزًا يكتنفه السؤال: ما الذي دفع هذا الرائد إلى الانسحاب من حركة كان من أبرز رموزها؟ وما هي أبعاد "لعنة المبادئ" التي جعلته يغيب عن المشهد؟  صلاح الدين التلاتلي   يُعدّ صلاح الدين التلاتلي، كما عرّفه روبار كورنفان في مقدمته لكتابه "جربة والجربيون" (DJERBA ET LES DJERBIENS)، نموذجًا للمثقف العضوي الذي يجمع بين التكوين الأكاديمي الرصين والالتزام الوطني العميق. وُلِد التلاتلي في تونس العاصمة في الثاني من جانفي عام 1916، لعائلة ذات خلفية علم وتربية مرموقة؛ فوالده الصادق التلاتلي كان مدرساً ثم متفقدًا عامًا للتعليم بتونس، وأحد مؤسسي "الخلدوني...

رﻣزﯾﺔ ﻣدﯾﻧﺔ اﻟﻘﯾروان ﻓﻲ اﻟﺧطﺎب اﻟﺳﯾﺎﺳﻲ اﻟﯾوﺳﻔﻲ و اﻟﺑورﻗﯾﺑﻲ: ﺗﺣﻠﯾل ﻣﻘﺎرن ﻟﺧطﺎﺑﻲ اﻟزﻋﯾﻣﯾن اﻟﺣﺑﯾب ﺑورﻗﯾﺑﺔ وﺻﺎﻟﺢ ﺑن ﯾوﺳف ﻓﻲ القيروان سنة 1955

تعتبر مدينة القيروان من المدن التونسية الهامة لما لها من إشعاع رمزية تاريخية و حضارية. و قد استغل الزعيم صالح بن يوسف مناسبة المولد النبوي الشريف من أجل إلقاء خطاب في جامع عقبة بن نافع يوم الجمعة 28 أكتوبر 1955 و الصراع كان في أوجه مع الديوان السياسي بعد رفته من الحزب و تجريده من الأمانة العامة. مما اضطر الحبيب بورقيبة للقدوم بعد يومين من أجل الرد على خطاب صالح بن يوسف في اجتماع حاشد بالساحة العامة في قلب مدينة القيروان . كان الزعيمان يدركان مدى أهمية كسب أهالي القيروان، خاصة قبل انعقاد المؤتمر الخامس للحزب الحر الدستوري التونسي الذي كان مبرمجا ليوم 15 نوفمبر 1955 بمدينة صفاقس. و لسنا هنا بصدد ترجيح كفّة على أخرى، و لا فائدة ترجى من ذلك. و إنما سوف نحاول قدر المستطاع المقارنة بين الخطابين و ذلك استئناسا بأبرز مناهج الخطاب المعاصرة، و محاولة منا لتجاوز التحليل النمطي و السطحي للوثيقة التاريخية، الذي لم يعد- حسب رأينا- ناجعا. و قد خيرنا في هذه المقدمة و قبل الدخول في المحور التطبيقي، تقديم بسطة نظرية حول الخطاب و مناهج تحليل الخطاب . و لعلّ المؤرّخين قد أدركوا اليوم بأنه لا مناص للمؤرخ ا...

تحليل مقدمة كتاب "شؤون تونس"

  تكشف   مقدمة الكتاب   التي كتبها المؤرخ الفرنسي ألفريد نيكولا رامبو عن عقلية الاستعمار التي تروج لهيمنة فرنسا على تونس تحت مظلة "الحماية". عبر استعراضنا لهذه المقدمة، نسعى لفهم أعمق لدوافع فرنسا الاستعمارية وتبريراتها التي قدمها رامبو في سياق هذه الفترة. 1. أزمة السياسة الخارجية الفرنسية بعد الحرب الفرنسية البروسية تُعتبر الحرب الفرنسية البروسية (1870-1871) نقطة تحول حاسمة في تاريخ فرنسا وأوروبا. فقد أظهرت الهزيمة الساحقة أمام بروسيا ضعف فرنسا على الساحة الدولية، كما تجلى ذلك في فقدانها لمنطقتي الألزاس واللورين، وانهيار إمبراطوريتها. جاء هذا الحدث ليؤكد على التحديات الداخلية والخارجية التي كانت تواجه الجمهورية الفرنسية، ما دفعها إلى إعادة النظر في استراتيجياتها السياسية والاقتصادية، وهو ما أكده رامبو في تحليله للسياسة الفرنسية. تحت ضغط هذه الهزيمة، أشار رامبو إلى أن فرنسا كانت بحاجة إلى تعزيز مكانتها الدولية، فكانت سياسة الاستعمار وسيلة لاستعادة دورها العالمي. وقد أظهرت السياسة الخارجية الفرنسية، التي ركزت على توسيع النفوذ في شمال أفريقيا والبحر الأبيض المتو...

كيف نجعل التاريخ أكثر قرباً من حياتنا؟!

خلال مسيرتي الدراسية في مجال التاريخ، وخاصة في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، كنت كثيرًا ما أتساءل عن جدوى دراسة التاريخ وما الذي دفعني لاختيار هذا التخصص. كنت أبحث عن إجابات تدفعني إلى المزيد من الإصرار على النجاح والتميز. وبعد جهود مضنية، تمكنت من الحصول على شهادتي الماجستير والدكتوراه بتقديرات مشرفة. ولكن، بعد حصولي على الشهادتين ووضعهما في إطار وتعليقهما في بيتي، اكتشفت أن واقع حياتي لم يتغير كما كنت أتوقع؛ فأنا ما زلت أعمل في التعليم الابتدائي. ومع ذلك، حدث تغيير عميق في داخلي. فقد فتحت لي مطالعاتي التاريخية أفقًا جديدًا، وساهمت في صياغة رؤية مختلفة للعالم والوجود الإنساني، وزادت شغفي بالكتابة والبحث. لقد أصبح السؤال الذي يؤرقني هو: ما الغاية من كتابة التاريخ. التساؤل عن غاية الكتابة التاريخية لم يكن طرحي لهذا السؤال محاولة للبحث عن تبرير كما كنت أفعل خلال فترة الدراسة، فالكتابة أصبحت شغفًا لا أستطيع التخلي عنه. من هنا أنشأت هذه المدونة لمشاركة أفكاري ومقالاتي. ولكن هذه المرة، كان السؤال أعمق وأشمل: ما الهدف الذي نرجوه من كتابة التاريخ؟ هل هو مجرد تسلية للنخبة أو للباحثين في الأكادي...

محمد علي الحامي: من رحم المعاناة يولد الزعماء و الأبطال

من بوابة الصحراء  الواقعة  في الجنوب الشرقي التونسي غير بعيد عن خليج قابس،  انبلج شعاع من أعماق العتمة،إيذانا بميلاد زعيم وطني لا يضاهى. و من رحم المعاناة انطلقت مسيرته المفعمة بالنضال و التحديات و المبشرة بأرقى الوعود و الإشراقات.  منذ البداية، كان  الغموض  و شح المعلومات، مما يجعلنا نتخيل، نفترض و نستنبط لنعيد بناء القصة و نحبك الرواية . فمن الصعب الولوج إلى تفاصيل حياة محمد علي الحامي و كشف الغطاء عن أسرارها العميقة، فالمصادر شحيحة و الروايات قليلة ،و الإبهام غالب، و لكننا سنجتهد مستعينين بحدسنا التاريخي و خيالنا الأدبي من أجل البحث عمّا ضاع  من قطع اللوحة الفسيفسائية التي تجسّد حياة محمد علي الحامي المثيرة و الغامضة، حياة سخّرها  لأجل الكادحين و  الضعفاء و المهمّشين.  لقد لعبت الأقدار و الظروف الصعبة دورا كبيرا في نحت شخصية محمد علي ، فقد تسلح بعزيمة فولاذية من أجل تحصيل العلم الذي وظفه للرفع من شأن الوطن و من أجل الدفاع عن كرامة العمال و المهمشين.  كان بطلنا بذرة أمل حملتها العواصف  لتينع و لو بعد حين. لقد رسم في ذهنه مشروعا للعمال و الكادحين و أراده أن يتحقق عاجلا ر...

محاكمة المناضل محمد علي الحامي و رفاقه (تحليل صورة)

صورة
بهذه الصورة التاريخية الخالدة التي توثق محاكمة المناضل النقابي محمد علي الحامي، نفتتح ركن "صور تاريخية" في مدونة المؤرخ. هذه الصورة هي إحدى الوثائق النادرة المحفوظة في أرشيفاتنا، وقد أصبحت من الصور المتداولة على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي. و قد التقطت يوم 12 نوفمبر 1925 بالمحكمة الجنائية بتونس. لقد التقط هذه الصورة الفوتوغرافي المحترف فكتور سباغ Victor Sebag و هو المصور الشاهد على أبرز الأحداث السياسية و الثقافية التونسية، و كأن المنصف باي لما أهداه ٱلة التصوير في عيد ميلاده الثالث عشر قد تنبأ له بأنه سوف يكون خير موثق للأحداث التي ستشهدها البلاد خلال تلك المرحلة التاريخية. إضافة إلى كونه كان مراسلا لأشهر الصحف العالمية التي كانت في حاجة لصوره الدقيقة و الفريدة، فلا شك أن فكتور سباغ كان المصور الذي تستعين به الجهات الرسمية. و هذه الصورة الملتقطة أبرز مثال على ذلك، أو ربما بعض الصحف الأجنلية قد كلفته بتوثيق هذا الحدث. الصورة التي أمامنا ليست مجرد مشهد من محاكمة عادية، بل هي شهادة حيّة على نهاية مرحلة نضالية في حياة محمد علي الحامي. إنها وثيقة نادرة تسجل اللحظة التي ...